ابن كثير

235

البداية والنهاية

اليوم . قال جعفر : فضحكت لان أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة . فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف . قال : فبكى الرشيد بكاء شديدا وأمر برفع السماط من بين يديه ، وأقبل على نفسه يوبخها ويقول : هلكت والله يا هارون . ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر ، فخرج فصلى بالناس ثم رجع يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر ، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين في كل حرم ألف ألف صدقة ، وأمر بألفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي ، وبألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة . ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب ، ثم رجع ، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال : ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم ؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته ، وإنما ناله منها لقمة . فقال أبو يوسف لجعفر : هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد ، أو يأكله الناس ؟ قال : بل يأكله الناس . فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الذي أكله المسلمون في الأيام الماضية ، وبما يسره الله عليك من الصدقة ، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم ، وقد قال تعالى ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) [ الرحمن : 46 ] . فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف . ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء . وقال عمرو بن بحر الجاحظ : اجتمع للرشيد من الجد والهزل ما لم يجتمع لغيره من بعده ، كان أبو يوسف قاضيه ، والبرامكة وزراءه ، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأشدهم تعاظما ، ونديمه عمر بن العباس بن محمد صاحب العباسية . وشاعره مروان بن أبي حفصة ، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته ، ومضحكه ابن أبي مريم ، وزامره برصوما . وزوجته أم جعفر - يعني زبيدة - وكانت أرغب الناس في كل خير وأسرعهم إلى كل بر ومعروف ، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك ، إلى أشياء من المعروف أجراها الله على يدها . وروى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول : إنا من قوم عظمت رزيتهم ، وحسنت بعثتهم ، ورثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقيت فينا خلافة الله . وبينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل فقال : يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة ، فقال : لا ولا نعمت عين قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول له قولا لينا . وعن شعيب بن حرب قال : رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي : قد وجب عليك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فخوفتني فقالت : إنه الآن يضرب عنقك . فقلت : لا بد من ذلك ، فناديته فقلت : يا هارون ! قد أتعبت الأمة والبهائم ، فقال : خذوه . فأدخلت عليه وفي يده لت ( 1 ) من حديد يلعب به وهو جالس على كرسي ،

--> ( 1 ) اللت : مصدر . وهي القدوم والفأس العظيمة . وهي فارسية ( محيط المحيط ) .